دبلوماسية السفن الأمريكية السوداء!
اقتربت في 8 يوليو 1853 أربع سفن حربية أمريكية من ساحل بلدة أوراغا في شبه جزيرة إيزو، عند مدخل خليج طوكيو. يُعرف هذا الحدث في التاريخ الياباني باسم “وصول السفن السوداء”.
السفن الحربية الأمريكية السوداء التي رست في مياه ميناء أوراغا كانت تحت قيادة العميد البحري ماثيو بيري. القائد البحري الأمريكي كان ينوي تقديم أوراق اعتماده إلى “شوغونية توكوغاوا”، النظام الاقطاعي السائد حينها في اليابان، بهدف إجبار هذا البلد على إنهاء عزلة عن العالم المحيط استمرت لأكثر من مئتي عام.
مصطلح “السفن السوداء” كان استمد من لون هياكل السفن الشراعية السوداء المطلية بالقار، والدخان الأسود الكثيف المنبعث من السفن البخارية. كان الأسطول يضم ما بين 560 و967 بحارا وجنديا من مشاة البحرية الأمريكية.
تألف السرب البحري الأمريكي آنذاك من أربع سفن هما الفرقاطتان البخاريتان سسكويهانا وميسيسيبي، والسفينتان الشراعيتان بليموث وساراتوغا. كانت السفن مُسلحة بأحدث الأسلحة في ذلك الوقت، بما في ذلك مدافع باخان القاذفة، القادرة على إحداث دمار هائل بقذائفها المتفجرة. بلغ عدد أفراد الطاقم حوالي 1600 بحار.
مشهد السفن الحربية الأمريكية الضخمة وهي تنفث دخانا أسود كثيفا من مداخنها ترك انطباعا قويا لدى سكان أوراغا، وشعر الكثير من السكان بالخوف، حتى أن بعضهم بدأ بإجلاء ممتلكاته بعيدا عن الساحل، متوقعين اندلاع الحرب.
العميد البحري بيري تصرف بطريقة استعراضية. أمر السفن بتجاوز سفن الحراسة اليابانية المتجهة نحو إيدو، الاسم القديم لطوكيو، وتوجيه مدافعها نحو المدينة. ولزيادة التأثير، أطلق الأمريكيون عدة طلقات صوتية، وبرروا ذلك بالاحتفال بيوم الاستقلال الأمريكي.
قائد السرب البحري الأمريكي رفض الامتثال للأوامر اليابانية بالتوجه إلى ناغازاكي، الميناء الوحيد المفتوح للأجانب، وبدلا من ذلك، بقيت سفنه راسية في ميناء أوراغا، ما أدى إلى مواجهة متوترة استمرت خمسة أيام.
في استعراض للقوة والحزم، وصف بيري نفسه بـ”الأدميرال” وأرسل رسالةً يُهدد فيها بتسليم وثائقه بالقوة إذا لم يأت مسؤول مُناسب لاستلامها.
كانت السلطات اليابانية في البداية مرتبكة وغير قادرة على وضع خطة عمل موحدة. في 9 يوليو، تقدم مسؤول محلي هو ناكاجيما سابوروسوكي، برفقة المترجم هوري تاتسونوسوكي، بهدف لصعود إلى ظهر السفينة الأمريكية سسكويهانا. مُنعا من الصعود في البداية، ولكن بعد مفاوضات، سُمح لهما بالصعود. هناك، اطلعوا الأمريكيين على الأمر الذي يمنع السفن الأجنبية من الرسو في الموانئ اليابانية.
العميد بيري لم يأت للتفاوض. كان هدفه الرئيس إجبار اليابان على التخلي عن سياسة العزلة الذاتية “ساكوكو”، التي استمرت لأكثر من مئتي عام، وفتح موانئها للتجارة الأمريكية. وفيما اعتبر بادرة حسن نية، سلّم السلطات اليابانية رسالة من الرئيس الأمريكي الثالث عشر ميلارد فيلمور يقترح فيها إقامة علاقات دبلوماسية. كما أبلغ بيري المسؤول المحلي الياباني بأنه سيعود لتلقي الرد بعد عام.
لم تُثمر الزيارة الأمريكية حينها وكانت الرابعة من نوعها، لكنها أرست سابقة أكثر قوة. بعد عام، في فبراير 1854، عاد العميد البحري الأمريكي بيري برفقة أسطول أكبر مؤلف من تسع سفن، ونتيجة لذلك، وُقعت في 31 مارس 1854 معاهدة كاناغاوا، التي فتحت مينائي شيمودا وهاكوداته أمام الولايات المتحدة، مدشنةً بذلك عهدا جديدا، وانتهى عمليا أكثر من قرنين من عزلة اليابان.
يوصف هذا الحدث بأنه كان نقطة تحول في التاريخ الياباني، وأنه أسهم في سقوط “شوغونية توكوغاوا” وبدء عصر مييجي. إضافة إلى ذلك، منذ ذلك الحين بدأ تحول اليابان السريع من دولة إقطاعية معزولة إلى قوة عالمية حديثة.
المصدر: RT
