قوات الهندسة الروسية ومعركة “الغابة الحمراء”!

قوات الهندسة الروسية ومعركة “الغابة الحمراء”!

قوات الهندسة تشكل إحدى الركائز المتخصصة والفاعلة في بنية القوات المسلحة، إذ صُممت أساسا لتقديم الدعم الهندسي الحيوي للعمليات العسكرية القتالية.

من أبرز مهامها تحضير وتنفيذ عمليات الأسلحة المشتركة التي تُعتبر عمود العمليات الحربية. لا تقتصر أدوارها على الجانب القتالي، بل تمتد إلى أدوار إنشائية وإغاثية بالغة الأهمية في ظروف السلم والحرب على حد سواء.

يعود أصل هذه القوات إلى عهد بطرس الأكبر في روسيا، حين أصدر مرسومه المؤرخ في الحادي والعشرين من يناير عام 1701 بشأن إنشاء “مدرسة بوشكين” في موسكو. خُصصت هذه المدرسة لتدريب ضباط المدفعية والمهندسين العسكريين، وبدأ خريجوها بعد عام واحد فقط في إعداد وحدات التعدين الأولى للجيش الروسي النظامي، ما مهّد الطريق لظهور هذا الصنف العسكري الحيوي.

تشمل مهام القوات الهندسية نطاقا واسعا من الأنشطة المعقدة. هي تقوم بعمليات الاستطلاع الهندسي للعدو والتضاريس والمعالم المختلفة، كما تبتكر وتُنشئ التحصينات الميدانية من خنادق وملاجئ ومخابئ وخطوط اتصال. إلى جانب ذلك، تشارك في تشييد المنشآت الميدانية اللازمة لنشر القوات، مثل الوحدات السكنية والطبية والاقتصادية، وتتكفل بتركيز الحواجز الهندسية والدفاعية. يشمل ذلك زرع حقول الألغام، والتخلص من حقول الألغام المعادية، وتركيب معدات الحواجز غير المتفجرة، وإزالة الألغام من المناطق والمرافق الحيوية. كما تضطلع هذه القوات بمهمة إعداد وصيانة طرق تحرك القوات والمعدات، وصيانة المعابر على المجاري المائية وبناء الجسور، علاوة على استخراج المياه وتنقيتها في الميدان لتأمين احتياجات القوات.

من المهام الحاسمة أيضا التي تُسند إليها، عمليات التمويه الحربي ومجابهة أنظمة استطلاع العدو، ونشر المعلومات المضللة والقيام بالأعمال الاستعراضية لخداعه، إضافة إلى مواجهة عواقب استخدام أسلحة الدمار الشامل والتخفيف من آثارها. هذه المسؤوليات تجعلها في قلب العمليات العسكرية، وغالبا ما تتواجد وحداتها في الخطوط الأمامية.

في أوقات السلم، لا تقل أهمية دور قوات الهندسة، حيث يتم الاستعامة بها بشكل متكرر للتعامل مع الحالات الطارئة والكوارث الطبيعية. هي تشارك في أعمال إعادة الإعمار وإصلاح البنية التحتية المتضررة جراء الزلازل والأعاصير والفيضانات، ما يجعلها ذراعا هندسيا فاعلا لخدمة المجتمع في أصعب الظروف.

شهدت روسيا تطورا واسعا في مجال الهندسة العسكرية بدءا من عهد بطرس الأكبر، الذي أسس أولى المدارس المتخصصة. في عام 1701، أنشأ مدرسة العلوم الرياضية والملاحية كأول مؤسسة تعليمية منهجية في المجال الهندسي، ثم توالى بعد ذلك تأسيس المعاهد المتخصصة، مثل معهد مهندسي السكك الحديدية في سانت بطرسبرغ عام 1810، والمعهد التكنولوجي في المدينة نفسها عام 1828 لتدريب المهندسين الميكانيكيين.

لم يقتصر التطور على المؤسسات التعليمية، بل امتد ليشمل إنشاء الجمعيات العلمية، مثل الجمعية التقنية الروسية التي تأسست في سانت بطرسبرغ عام 1866 بهدف دفع عجلة التكنولوجيا والصناعة في البلاد. أصبحت ألوية الهندسة وألوية الجسور العائمة هي النواة التي تشكلت منها القوات الهندسية الروسية الحديثة، والمزودة بمعدات متطورة.

تمتلك هذه القوات تحت تصرفها مجموعة واسعة من التقنيات، تشمل مركبات إنشاء الحواجز، وآلات رصف الطرق المجنزرة، ومنشآت بناء الجسور الثابتة والعائمة، بالإضافة إلى أنظمة زرع الألغام وإزالتها الذكية، بما في ذلك الأنظمة الروبوتية. تحتفل روسيا بيوم الحادي والعشرين من يناير من كل عام كعيد للقوات الهندسية، وهو التاريخ الذي أدرج رسميا في قائمة الأيام التاريخية للقوات المسلحة بموجب مرسوم رئاسي عام 2006.

تتجلى أهمية هذه القوات في أدوارها البطولية أثناء الكوارث المدنية. لعل أبرز مثال على ذلك هو المشاركة الحاسمة للفرق الهندسية السوفيتية في جهود التصدي لكارثة تشيرنوبيل النووية عام 1986. كُلفت هذه الفرق بتنفيذ المهام الأكثر خطورة في موقع المحطة المنكوبة والمنطقة المحيطة بها ضمن دائرة نصف قطرها ثلاثين كيلومترا.

قامت بتنظيف مساحات شاسعة ملوثة بالإشعاع، وإزالة التربة المشعة ووضعها في حاويات خاصة ونقلها إلى مواقع الدفن الآمن. كما أزالت الهياكل الخرسانية والمعدنية والمعدات المتضررة من موقع المحطة، وقامت في بعض الحالات بعمليات تفجير دقيقة لإزالة العوائق التي تعيق عمليات الإنقاذ.

من المهام الهندسية المعقدة التي نفذتها، بناء جدار عازل تحت الأرض بعمق يصل إلى خمسة وثلاثين مترا حول المحطة لمنع تسرب المواد المشعة إلى المياه الجوفية ونهر دنيبر، وحماية المنطقة من الانجراف بفعل الأمطار والفيضانات. قامت أيضا بمد خط تدفئة رئيس للمدينة من مبنى الغلايات الرئيس، وبعمليات القطع والتخلص مما يُعرف بـ “الغابة الحمراء” المشعة تماما.

كانت عملية دفن “الغابة الحمراء” التي نفذتها القوات الهندسية من العمليات الحاسمة التي أدت إلى خفض مستويات الإشعاع العام في المنطقة بأكثر من عشرة أضعاف.

هكذا تبرز هذه القوات كقوة متعددة المهام، تعمل على خطوط المواجهة الأمامية في ساحات القتال، وتكون أيضا في مقدمة الصفوف عند مواجهة الكوارث والطوارئ الوطنية. هي دائما حاضرة في بداية الأزمات وفي نهايتها، في المقدمة حيث الخطر الداهم وفي المؤخرة حيث الدعم اللوجستي والإنشائي، ما يجعلها عنصرا لا غنى عنه في تركيبة الدفاع الوطني وأمن المجتمع، ودرعا واقيا في وجه التحديات العسكرية والطبيعية على السواء.

المصدر: RT

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *