“واحدة بواحدة”: إسرائيل دخلت في فخ الجولات الإيراني

“واحدة بواحدة”: إسرائيل دخلت في فخ الجولات الإيراني

في مقال له نشره موقع “واللا” العبري، رأى أوزي رابي، الباحث والمؤرخ الإسرائيلي المتخصص في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، أن تل أبيب دخلت في “فخ الجولات” الإيراني للمواجهات.

ورأى أوزي رابي في مقاله أن “الولايات المتحدة لا يمكنها التغاضي عن إسقاط مروحية أباتشي. فحتى القوة العظمى التي تسعى للحصول على اتفاق لا يمكنها السماح بأن يمر استهداف أصل عسكري أمريكي دون رد، لذلك كان الهجوم على إيران متوقعا، وربما لا مفر منه. لكن المشكلة ليست في الرد نفسه، بل في اللغة التي يُغلف بها: رد مدروس، دفاعي، متناسب مع الفعل، رد يهدف إلى “إغلاق الجولة” وليس فتح حرب”.

ووفقا له، “القاعدة الأولى للطرف الأقوى تكنولوجيا وعسكريا هي عدم تبني صياغة الجولات الخاصة بالطرف الأضعف. بمجرد أن ترد الولايات المتحدة على إيران بمصطلحات “التناسب”، فإنها ربما تبث شعورا بالمسؤولية، لكنها تدخل أيضا في لغة اللعبة الخاصة بطهران: استهداف، رد، ضبط، عودة إلى الطاولة”.

واعتبر رابي أن “إيران ليست بحاجة لهزيمة أمريكا، يكفيها تحويلها إلى الطرف الآخر في الجولة. فالقوة العظمى التي تقيس ردود أفعالها بدلا من إملاء القواعد تلعب بالفعل في ملعب خصمها. وهذه ليست نظرية، بل هي بالضبط المنطق الذي حاولت إيران فرضه على إسرائيل قبل يومين”.

وأضاف: “إسرائيل ضربت أهدافا مرتبطة بحزب الله وبالنظام الإيراني، إيران أطلقت النار باتجاه إسرائيل، دونالد ترامب طلب إيقاف الجولة والعودة إلى المفاوضات. أي أن الرئيس الأمريكي حاول خلق تناسب لإسرائيل أيضا: كل طرف أطلق ما لديه، والآن نتوقف. إلا أن هذا بالنسبة لإسرائيل ينحدر نحو منحدر خطير. إذا أُغلق إطلاق نار إيراني على الجبهة الداخلية الإسرائيلية بدعوة للعودة إلى الطاولة، فإن إيران تتعلم أن إطلاق النار يؤتي ثماره”.

وحسب المقال، فـ”الآن، يتكرر النمط نفسه أمام الولايات المتحدة ذاتها. إيران أو أحد وكلائها يستهدفون أصولا أمريكية، واشنطن ترد، إيران تطلق ردودا باتجاه قواعد أمريكية في المنطقة، ومرة أخرى تبحث المنظومة بأكملها عن طريقة لإغلاق الجولة دون كسر المسار المؤدي إلى الاتفاق”.

وبحسب التقارير، هاجمت الولايات المتحدة أهدافاً في إيران في أعقاب إسقاط المروحية، وردت إيران بهجمات صاروخية وطائرات مسيرة ضد أهداف أمريكية في البحرين، الكويت، والأردن. وفي الوقت نفسه، تستمر الإدارة في التحدث عن مفاوضات وعن إمكانية التوصل إلى اتفاق.

وبالنسبة للباحث والأكاديمي الإسرائيلي، فإن “هذه هي بالضبط الديناميكية الخاطئة حيال النظام الإيراني. بمجرد أن تبدأ قوة عظمى في “قياس” الردود، يبدأ الطرف الآخر في معرفة المقاس. ما هو حجم الضرر الذي يمكن إلحاقه دون تكبّد خسائر فادحة؟ كم طائرة مسيرة يمكن إطلاقها دون التسبب في حرب شاملة؟ كم قاعدة يمكن تهديدها قبل أن يرفع ترامب الثمن؟”

وأشار أوزي رابي إلى أن “إيران لا تبحث بالضرورة عن صدام شامل، إنها تبحث عن مساحة يرفع فيها كل استهداف من جانبها ثمن الاتفاق، ويبقى كل رد أمريكي محدودا بدرجة كافية لكي لا يكون حاسما”.

وتابع: “إسرائيل تعرف هذا الفخ جيداً. فعلى مدار سنوات أديرت أمام حماس وحزب الله جولات من “التناسب”: إطلاق نار، رد، وقف إطلاق نار، وعودة إلى الروتين. وفي كل مرة كان يبدو أن الجولة قد أُغلقت، وفي الواقع، كان التهديد يُحفظ للجولة القادمة. لقد تعلمت التنظيمات عتبة الرد، وحسنت قدراتها، وحولت التناسب الإسرائيلي إلى طريقة عمل ضدها. وما كان يُفترض أن يكون مسؤولية سياسية تحول، بمرور الوقت، إلى حفاظ على التهديد”.

ووفقا له: “الآن، يكمن الخطر في أن تبني الولايات المتحدة أمام إيران نسخة “عظمى” تليق بقوة عظمى من الطريقة نفسها. وبدلا من التوضيح بأن استهداف قوة أمريكية يغير قواعد اللعبة، فإنها تبث رسالة مفادها أن الرد سيكون مدروسا، محدودا، ومضبوطا”.

وحسب قوله: “هناك منطق تكتيكي في ذلك، ولكنه يشكل خطرا استراتيجيا. أمام خصم عقلاني-دولتي كلاسيكي، يمكن للتناسب أن يؤدي إلى الاستقرار. أما أمام نظام ثوري يدير ابتزازا إقليميا عبر وكلاء، فقد يتحول التناسب إلى دعوة للجولة القادمة”، معتبرا أن “هذا الأمر خطير بشكل خاص لأن ترامب يسعى للتوصل إلى اتفاق. هو يقول إن الحصار سيستمر، وإن المفاوضات تتقدم، وإنه لا ينبغي للجهل أو الغباء أن يعترضا التسوية. ولكن كلما حدت الرئيس الأمريكي رغبة في إغلاق الحدث والاستمرار إلى الأمام، تفهم طهران أن الوقت والنار هما أدوات ضغط. هي ليست بحاجة للانتصار على أمريكا؛ يكفيها جعل أمريكا تحتاج إلى الاتفاق أسرع مما هي تحتاج إليه”.

وأردف رابي: “لذلك فإن السؤال ليس ما إذا كان ينبغي للولايات المتحدة أن ترد. كان ينبغي لها ذلك. السؤال هو ما إذا كان ردها يغير المعادلة أم أنه مجرد جزء يندمج فيها؟ إذا أسقطت إيران مروحية، وهاجمت الولايات المتحدة، وأطلقت إيران النار على القواعد، ثم عاد الجميع إلى الطاولة، فإن طهران تكون قد تعلمت درساً مهماً: يمكن الاستهداف، ودفع ثمن محدود، وتحسين المواقع”.

وأوضح الباحث الإسرائيلي قائلا: “القوة العظمى لا تُقاس فقط بقوة نيرانها، بل بقدرتها على تحديد قواعد اللعبة. وعندما تكتفي بـ “لعبة ردود أفعال” واحدة بواحدة / tit for tat، فإنها تبدو أقل كمن يملي النظام على دولة مارقة، وأكثر كمن يُستدرج إلى جولة تديرها تلك الدولة المارقة. وأمام إيران، هذا هو الخطر بالضبط: ليس ألا يرد الأمريكيون، بل أن يردوا بطريقة تترك المعادلة الإيرانية على حالها”.

وختم رابي بالقول: “الخلاصة بسيطة: التناسب يمكن أن يكون أداة، ولكن لا يمكنه أن يكون استراتيجية. إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تريدان منع إيران من تحويل كل استهداف إلى ورقة مساومة، فعليهما ليس فقط الرد، بل تفكيك نمط الجولات نفسه. وإلا فإن كل “رد مدروس” سيبدو مسؤولا في تلك اللحظة، ويجهز الأرضية للأزمة القادمة”.

المصدر: “واللا”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *