كاظم بريسم عبر السابعة: تهريب بطريقة “الشلع” يهدر 8 ترليونات من أموال العراقيين
واقع المنافذ الحدودية في العراق: التحديات ومسارات الإصلاح
مقدمة
تشكل المنافذ الحدودية في العراق واحدة من أهم المفاصل السيادية والاقتصادية للدولة، لما تمثله من دور محوري في إدارة التجارة الخارجية وتعظيم الإيرادات غير النفطية وتعزيز الأمن الاقتصادي، ومع تصاعد التحديات الاقتصادية والأمنية خلال السنوات الأخيرة، أصبح ملف المنافذ الحدودية أحد أكثر الملفات ارتباطاً بقدرة الدولة على فرض سيادتها وتنظيم اقتصادها الوطني،ورغم الجهود الحكومية المتكررة لتطوير العمل الجمركي وتحسين الإيرادات، إلا أن الواقع العملي ما يزال يكشف عن وجود اختلالات هيكلية عميقة أثرت على كفاءة الأداء والاستقرار الإداري والمالي للمنافذ الحدودية.
أولاً: أهمية المنافذ الحدودية
تمثل المنافذ الحدودية مورداً مالياً مهماً للدولة، خصوصاً في ظل الحاجة المتزايدة لتنويع مصادر الإيرادات وتقليل الاعتماد على النفط، كما انها تعد أداة سيادية لتنظيم التجارة الخارجية وحماية السوق المحلية من البضائع الرديئة أو المهربة، فضلاً عن كونها خط الدفاع الأول للأمن الاقتصادي. إن ضعف إدارة المنافذ لا يؤدي فقط إلى خسائر مالية، بل يفتح المجال أمام التهريب المنظم والفساد الإداري وفقدان السيطرة على النشاط التجاري. ولذلك فإن ملف المنافذ الحدودية لا يمكن اختزاله في كونه ملفاً مالياً فحسب، بل هو نقطة تقاطع مباشرة بين الاقتصاد والأمن والسيادة الوطنية.
ثانياً: الإشكالية المركزية في إدارة المنافذ
تعاني إدارة المنافذ الحدودية في العراق من اختلالات بنيوية متداخلة انعكست بصورة مباشرة على استقرار السياسات وكفاءة الأداء وفعالية التحصيل الجمركي. ويمكن تلخيص أبرز هذه الإشكالات بعدة محاور رئيسية. أول هذه المحاور يتمثل في غياب نظام مؤسسي لتقييم الأداء بشكل تراكمي، الأمر الذي أدى إلى ضعف القدرة على قياس تطور الإيرادات وكفاءة الإجراءات وأثر الإصلاحات الحكومية عبر الزمن.
أما المحور الثاني فهو تعدد مراكز القرار وتداخل الصلاحيات بين الجهات المختلفة، مما تسبب بتضارب التعليمات وضعف وحدة القيادة الإدارية وتشتيت المسؤوليات ، في حين يتمثل المحور الثالث بضعف استمرارية السياسات الجمركية بين الحكومات المتعاقبة، الأمر الذي أدى إلى غياب الاستقرار التنظيمي وتعطيل الإصلاحات بعيدة المدى ، كما أن عدم استقرار السياسة الجمركية وتكرار التعديلات والقرارات المفاجئة خلق حالة من الإرباك لدى المستوردين ووكلاء الاخراج الجمركي ، وفتح الباب واسعاً أمام الاجتهادات الفردية والتفاوت في التطبيق، وبذلك أصبحت المشكلة الأساسية في المنافذ الحدودية أقرب إلى أزمة “حوكمة مؤسسية” أكثر من كونها مشكلة تشغيلية أو قانونية.
ثالثا / تقييم واقع حال المنافذ الحدودية
أ- ضعف البنى التحتية في المنافذ الحدودية : تُعد البنى التحتية الضعيفة في المنافذ الحدودية واحدة من أبرز التحديات التي تواجه الإدارة الجمركية والرقابية في العراق، إذ إن كفاءة أي منفذ حدودي لا تعتمد فقط على الأنظمة والتعليمات، بل ترتبط بصورة مباشرة بتوفر البنية الفنية والتقنية القادرة على دعم إجراءات الفحص والتدقيق والسيطرة.، ولعل ابرز النقاط التي تشير الى ضعف البنى النحية هي مايلي :
1. لا يزال معظم موظفي الدوائر العاملة في المنافذ الحدودية يعملون في بيئة عمل غير مناسبة، حبث ان معظم الساحات المخصصة للعمل الجمركي غير ملائمة للكشف الجمركي، ، كما ان معظم الطرق داخل المنافذ غير معبدة، ومعظم الطرق التي تربط المنافذ بمراكز المدن غير صالحة.
2. نقص في اجهزة كشف الحقائب : ومن خلال الواقع العملي للمنافذ الحدودية، يتضح وجود نقص شديد في أجهزة الفحص والسونار الخاصة بالكشف عن حقائب المسافرين، ولاسيما في المنافذ التي تشهد كثافة عالية في حركة العبور مثل منفذي الشلامجة وزرباطية، في وقت تعاني فيه هذه المنافذ من محدودية كبيرة في أجهزة الفحص أو من وجود أجهزة قديمة ومتوقفة عن العمل، الأمر الذي ينعكس سلباً على كفاءة الإجراءات الأمنية والرقابية ويزيد من احتمالات التهريب أو إدخال المواد الممنوعة.
3. كما تعاني المنافذ من نقص واضح في أجهزة كشف المخدرات والأجهزة التخصصية المرتبطة بالتفتيش الأمني، وهو ما يمثل تحدياً خطيراً في ظل تنامي نشاط شبكات التهريب والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
4. نقص كبير في الكوادر النسوية الامر الذي استغل من قبل مهربي المخدرات.
5. قلة الموازين الجسرية الخاصة بوزن الشاحنات والبضائع، إذ تعتمد بعض المنافذ على ميزان جسري واحد فقط، ما يؤدي إلى توقف عمليات التخليص الجمركي بالكامل عند تعرضه للعطل أو الخلل الفني، وهو ما يتسبب بخسائر اقتصادية وتأخير كبير في حركة التجارة والنقل.
6. تعاني المنافذ من نقص في أجهزة السونار الخاصة بفحص الحاويات والعجلات المحملة بالبضائع، الأمر الذي يحد من قدرة الجهات الرقابية على إجراء الفحص الدقيق والسريع للبضائع الداخلة والخارجة، ويزيد من الاعتماد على الإجراءات اليدوية التي تستهلك الوقت وتفتح المجال أمام حالات التلاعب والفساد.
7. الأبنية المستخدمة من قبل الدوائر العاملة، وخصوصاً داخل الحرم الجمركي، هي عبارة عن كرفانات أو منشآت مؤقتة غير ملائمة لطبيعة العمل الإداري والرقابي، ولا توفر الحد الأدنى من متطلبات البيئة الوظيفية المناسبة التي تمكن الموظف الجمركي أو الرقابي من أداء مهامه بكفاءة واستقرار.
8. كما تواجه المنافذ الحدودية، مشكلات مستمرة تتعلق بعدم استقرار الطاقة الكهربائية وضعف خدمات البنى التحتية الأساسية، الأمر الذي يؤثر بصورة مباشرة على تشغيل الأجهزة الإلكترونية وأنظمة الأتمتة والاتصالات، ويحد من قدرة إدارات المنافذ على تنفيذ أعمالها بصورة منتظمة وفعالة.
إن استمرار هذا الواقع يعكس الحاجة الملحة إلى إطلاق برنامج وطني شامل لتطوير البنى التحتية للمنافذ الحدودية، يتضمن تحديث أجهزة الفحص والتفتيش، وزيادة عدد الموازين الجسرية، وتطوير الأبنية والمنشآت الإدارية، وتحسين خدمات الطاقة والاتصالات، بما ينسجم مع أهمية المنافذ الحدودية بوصفها واجهة سيادية واقتصادية وأمنية للدولة العراقية.
ب- خلل في الهيكل الوظيفي لهيأة المنافذ الحدودية :
بموجب المادة 14 من قانون هيأة المنافذ رقم 30 لسنة 2016 تم نقل كافة الملاكات الوظيفية العسكرية والمدنية من المديرية العامة للمنافذ الحدودية التي كانت ترتبط في وزارة الداخلية الى هيأة المنافذ الحدودية التي ترتبط بمجلس الوزراء، ووفقا لقانون هيأة المنافذ الحدودية ،فأنها تعد مؤسسة مدنية يديرها موظف مدني بدرجة خاصة وترتلط في الهيأة ثلاث مديريات عامة يدير كل منها موظف يدرجة مدير عام ، ولرئيس الهيأة نائب للرئيس بدرجة مدير عام ، و ينبغي ان تكون الغالبية العظمى من مواردها البشرية من الملاكات المدنية ، الا ان تطبيق المادة 14 المذكوره اعلاه دون استحداث درجات وظيفية مدنية جديدة او دون تمكين هيأة المنافذ من نقل موظفين مدنيين الى ملاكها ولد خللا في هيكلها الوظيفي اذا اصبح غالبة الموارد البشرية من الملاكات الامنية الامر الذ ولد خللا واضحا في الهيكل الوظيفي الخاص بهيأة المنافذ الحدودية .
وعلى الرغم من سعي ادارة الهيأة الى معالجة هذا الخلل بطلبها من السيد رئيس الوزراء في حينه استحداث 2000 درجة وظيفية، لتعيين موظفين جدد واحداث التوازن بين الملاكات المدنية والملاكات العسكرية واستحصالها موافقته على ذلك ، الا ان العجز المالي الذي عانت منه الحكومة حال دون استحداث تلك الدرجات.
ج. فروقات الرواتب والمخصصات بين الملاكين العسكري والمدني، اذ ان هذه الفروقات خلقت جوا غير مريحا بين الملاكين اثرت على العمل في المنافذ.
د. غياب معايير الكفاءة والنزاهة في اسناد المناصب القيادية ، كما ان معظم المناصب القيادية مسندة الى الكادر الامني في الهيأة خلافا للتعليمات رقم 3 لسنة 2018 وقانون هيأة المنافذ رقم 30 لسنة 2016.
ه – تفشي الفساد الاداري والمالي في معظم الدوائر العاملة في المنافذ الحدودية وازدياد حالات التهريب والتهرب الجمركي من خلال التلاعب في وصف البضائع المستوردة نوعا وكما ، وتمرير البضائع المستوردة دون اخضاعها للاجراءات الجمركية التهريب بطريقة الشلع ، تزوير اوراق الارساليات والتلاعب في اجازات الاستيراد ، استغلال الاعفاءات الجمركية الممنوحة الى المشاريع الاستثمارية او مشاريع التنمية الصناعية.
رابعا : تطور الإيرادات الجمركية خلال المدة 2015–2025
تعكس بيانات الإيرادات الجمركية في العراق خلال المدة من عام 2015 ولغاية عام 2025 حالة واضحة من التذبذب وعدم الاستقرار، الأمر الذي يكشف وجود اختلالات هيكلية وإدارية أثرت بصورة مباشرة على كفاءة التحصيل الجمركي وفاعلية الإدارة الرقابية في المنافذ الحدودية.
وقد ارتفعت الإيرادات الجمركية تدريجياً خلال الأعوام من 2017 إلى 2018، قبل أن تبدأ بالتراجع بشكل ملحوظ خلال الأعوام اللاحقة، ولاسيما بين عامي 2020 و2022، حيث وصلت الإيرادات إلى أدنى مستوياتها نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها ضعف دور الاشراف والرقابة الفعلية على الدوائر العاملة داخل المنافذ الحدودية ، وعدم قدرتها على الحد من حالات التهرب الجمركي التي كانت تتم عبر تغيير أوصاف البضائع المستوردة كما ونوعا ، بما يؤدي إلى تقليل الرسوم المستحقة على تلك البضائع.
كما ساهم التغيير المستمر في التعرفة الجمركية وعدم استقرار السياسات المالية والجمركية في إرباك البيئة التجارية وإضعاف استقرار منظومة التحصيل، فضلاً عن التوسع في منح الإعفاءات الجمركية والاستثناءات الخاصة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على انخفاض الإيرادات الفعلية للدولة، وفي المقابل، شهدت الإيرادات الجمركية تحسناً واضحاً ابتداءً من عام 2023 واستمرت بالتصاعد خلال عامي 2024 و2025، وهو ما تزامن مع تطبيق نظام الأسيكودا ASYCUDA الخاص بأتمتة الإجراءات الجمركية، والذي أسهم في تعزيز الرقابة الإلكترونية وتقليل جزء من التدخلات اليدوية وتحسين عمليات تسجيل البيانات والمعاملات الجمركية.
ورغم أن هذا التحسن لا يعني معالجة جميع الاختلالات البنيوية، إلا أنه يعكس الأثر الإيجابي النسبي للتحول الرقمي في رفع كفاءة الإجراءات وتحسين مستويات التحصيل.
جدول الإيرادات الجمركية للمدة 2015–2025
الإيرادات الجمركية مليار دينار السنة
416 2015
647 2016
1236 2017
1692 2018
1056 2019
1017 2020
1001 2021
618 2022
1033 2023
2131 2024
2500 2025
وتوضح هذه الأرقام بصورة جلية أن السنوات من 2020 إلى 2022 مثلت مرحلة تراجع حاد في الإيرادات الجمركية نتيجة ضعف الرقابة وعدم استقرار السياسات الجمركية والتوسع في الإعفاءات، في حين أن الأعوام من 2023 إلى 2025 شهدت مرحلة صعود تدريجي ومتسارع للإيرادات بالتزامن مع تطبيق أنظمة الأتمتة الجمركية، وفي مقدمتها نظام الأسيكودا، الأمر الذي يؤكد أهمية التحول الرقمي كأداة مساندة للإصلاح، شريطة أن يترافق مع إصلاح مؤسسي ورقابي شامل.
ما يثير تطور الإيرادات الجمركية خلال السنوات الماضية جملة من التساؤلات الجوهرية بشأن طبيعة الرقابة الحكومية وآليات التقييم المؤسسي للأداء الجمركي، فمن اللافت أن الانخفاض الحاد في الإيرادات الجمركية، ولاسيما خلال عام 2020 وما تلاه، لم يقابله تحقيق حكومي واضح أو مساءلة مؤسسية لهيئة الجمارك بشأن أسباب هذا التراجع الكبير، رغم أن الإيرادات الجمركية تمثل أحد أهم الموارد غير النفطية للدولة.
وفي الوقت ذاته، لم تُسائل هيأة المنافذ الحدودية بصفتها الجهة الرقابية المسؤولة عن متابعة أداء الدوائر العاملة داخل المنافذ الحدودية، ومدى التزامها بالإجراءات والتعليمات الجمركية، أو عن قدرتها على الحد من التهرب الجمركي والتلاعب بوصف البضائع وكمياتها وأنواعها، والأكثر إثارة للانتباه أن الحكومة، سواء قبل تأسيس هيأة المنافذ الحدودية في عام 2017 أو بعدها، لم تعتمد منهجاً مؤسسياً لتحليل أسباب التذبذب في الإيرادات الجمركية، سواء في فترات الانخفاض الحاد أو حتى في سنوات الارتفاع الكبير، لاسيما خلال عامي 2017 و2018 اللذين شهدا زيادة ملحوظة في الإيرادات الجمركية دون وجود دراسات معلنة أو تقارير تقييمية تفسر بصورة دقيقة الأسباب الحقيقية لهذا الارتفاع وما إذا كان ناتجاً عن تحسن فعلي في الإدارة والرقابة أم بسبب إجراءات وقتية أو تغيرات في آليات الجباية.
ويكشف هذا الواقع عن غياب نظام وطني متكامل لتقييم الأداء الجمركي يعتمد على التحليل التراكمي للبيانات والمؤشرات، الأمر الذي أدى إلى غياب المساءلة المؤسسية الحقيقية، وجعل التغيرات الكبيرة في الإيرادات الجمركية تمر من دون مراجعة دقيقة أو تقييم علمي للأسباب والنتائج. كما أن هذا الغياب أسهم في إضعاف القدرة على بناء سياسات جمركية مستقرة وقابلة للتطوير، وربط نجاح أو فشل الأداء الجمركي بالأشخاص والظروف السياسية بدلاً من ربطه بمؤشرات مؤسسية واضحة ومستدامة.
خامسا: أسباب تراجع الإيرادات الفعلية
تواجه الإيرادات الجمركية تحديات عديدة أدت إلى انخفاض مستويات التحصيل الفعلي مقارنة بالإمكانات الحقيقية للمنافذ الحدودية. ومن أبرز هذه الأسباب التوسع في منح الإعفاءات والاستثناءات الخاصة بصورة غير منضبطة، وضعف الرقابة الفعلية على عمليات التخليص والتقييم الجمركي.
كما أن تعدد الجهات المتداخلة في إدارة المنافذ ساهم في خلق بيئة تسمح بالتلاعب في أوصاف البضائع أو تقليل قيمها الحقيقية، الأمر الذي أدى إلى توسع ظاهرة “التهريب المقنن” عبر المنافذ الرسمية نفسها.
وبالتالي فإن جزءاً كبيراً من النزيف المالي لا يرتبط بضعف النصوص القانونية، بل بضعف التطبيق والرقابة والتنفيذ.
سادسا : خلل السياسات الجمركية
تشهد السياسة الجمركية في العراق خلال السنوات الأخيرة حالة من عدم الاستقرار في القرارات الناظمة للعمل، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الأداء الإداري والاستقرار المالي والإيرادي في المراكز الجمركية، إذ تصدر تعليمات وقرارات تتعلق بآليات الترسيم والتحصيل، ثم لا تلبث أن تُعدَّل أو تُلغى خلال مدد قصيرة، بما يربك الجهات المنفذة ويضعف كفاءة النظام الجمركي ككل.
وللإنصاف، فإن الهيأة العامة للجمارك في كثير من هذه الحالات تكون جهة تنفيذية لا جهة قرار، إذ إن عددًا كبيرًا من القرارات الجمركية يصدر باقتراح من المجلس الاقتصادي الذي يترأسه نائب رئيس مجلس الوزراء، ثم يتحول إلى قرار صادر عن مجلس الوزراء، لتتولى الهيأة مهمة التنفيذ فقط. غير أن الإشكالية الجوهرية لا تتعلق بجهة الإصدار بقدر ما تتعلق بمنهج اتخاذ القرار ومدى دراسته وتدرجه.
تسلسل قرارات مرتبك لا سياسة مستقرة :
بدأت ملامح هذا التخبط تتكرّس منذ صدور قرار مجلس الوزراء رقم 186 لسنة 2018، الذي اعتمد الترسيم وفق حجم الحاوية بدلًا من محتواها، وهو توجه جرى تسويقه آنذاك بوصفه تبسيطًا للإجراءات، لكنه في الواقع فتح الباب أمام تفاوت خطير بين القيمة الحقيقية للبضائع والرسوم المستوفاة عليها. لقد شكل القرار 186 الأساس لما عُرف لاحقًا بسياسة “الترسيم وفق لحجم الحاوية ” ، وكان من المفترض ان يتم تطبيق القرار 186 لمدة شهر واحد وهي الفترة اللازمة لمعالجة ازمة تكدس الحاويات انذاك ، الا ان ماحدث هو العكس تماما فقد اتاح هذا القر ار فرصة لنحقيق اريباح خيالية على حساب المال العام عبر استيراد بضائع عالية القيمة وصغيرة الحجم وترسيمها بمبالغ مقطوعة حددت في حينها 2 مليون للحاوية حجم 20 قدم و3 مليون لحاوية حجم 40 قدم ، وتم تمديد العمل بالقر ار يموجب قرار مجلس الوزراء رقم 255 مع توسع نطاق تطبيقهىليشمل جميع الموانيء بعد ان كان مقتصرا على ميناء ام قصر الشمالي مت حول الاجراء المؤقت الى سياسة للتهرب بغطاء قانونبي ، واستمر العمل بالترسيم وفقا لحجم الحاوية الى ان صدر قرار مجلس الوزراء رقم 13 لسنة 2019 والذي وحد التعرفة والاجراءات الجمركية ، الا انه وللاسف الشديد ان هذه القرار اقتصر تطبيقه على المنافذ الحدودية الاتحادية ولم ينفذ في الاقليم.
اعادة انتاج الخطأ في عام 2023 :
في الحادي عشر من كانون الثاني 2023 أصدرت الحكومة العراقية القرار رقم 23025 المتضمن تعديل التعرفة الجمركية للبضائع الداخلة عبر جميع المنافذ الحدودية، وإعادة العمل بقرار مجلس الوزراء رقم 186 لسنة 2018، ليكون الترسيم وفق حجم الحاوية بدلاً من محتواها، وكان من المقرر تطبيقه في 20/1/2023، إلا أن الحكومة عادت وقررت التريث في تنفيذه.
لاحقاً صدر قرار مجلس الوزراء رقم 23055 الذي ألغى القرار السابق وأعاد العمل بقرار 186 لسنة 2019 مع تعديل الفقرة 5 منه، ليكون الرسم الجمركي مليوني دينار للحاوية 20 قدم وأربعة ملايين دينار للحاوية 40 قدم بغض النظر عن محتواها، مع استثناء عدد من السلع مثل السكائر، المشروبات الكحولية، الذهب، الهواتف النقالة، السيارات، مواد التجميل، والسلع المشمولة بقانون حماية المنتج رقم 11 لسنة 2010.
جاء هذا القرار بدعوى معالجة الانخفاض الحاد في الإيرادات الجمركية الاتحادية، والتي بلغت في عام 2022 نحو 552 مليون دولار، بانخفاض يقارب 20% عن عام 2021 و24% عن عام 2020. إلا أن المفارقة تكمن في أن هذا التراجع يقابله ارتفاع مستمر في إيرادات جمارك إقليم كردستان منذ عام 2016، وهو ما كان يفترض أن يدفع الحكومة إلى دراسة أسباب الخلل البنيوي في المنافذ الاتحادية، بدل الاكتفاء بتغيير التعرفة كحل سهل وسريع.
الأكثر إرباكاً أن تصريحات بعض مسؤولي الجمارك والمنافذ تحدثت عن “زيادات قياسية” في الإيرادات وصلت إلى 90%، كما ورد في تقرير الأداء الحكومي للفترة 2020–2021، وهي تصريحات ثبت عدم دقتها، وتم التنبيه إلى ذلك مراراً في مقالات منشورة سابقاً، ما يعكس خللاً في تشخيص المشكلة وغياب الشفافية في عرض الأرقام
ثم أعقب ذلك صدور القرار رقم 23672 لسنة 2023، الذي أضاف استثناءات وتعديلات جديدة في محاولة لاحتواء الاعتراضات، ما عمّق الإرباك في التطبيق، ووسّع مساحة الاجتهاد، وأفقد السياسة الجمركية عنصر الاستقرار وقابلية التنبؤ.
وفي عام 2025، صدر قرار مجلس الوزراء رقم 957 لسنة 2025، الذي مثّل انتقالًا حادًا من الترسيم بالحاوية إلى الترسيم وفق التعرفة الجمركية حسب الفقرة السلعية، دون مرحلة انتقالية كافية أو تهيئة للسوق، الأمر الذي أدى إلى امتناع أعداد كبيرة من التجار عن إخراج بضائعهم، وخلق اضطرابًا واضحًا في السوق وارتفاعًا في الأسعار.
إن هذا التسلسل الزمني للقرارات – إقرار، ثم تريث، ثم إلغاء، ثم تعديل، ثم استثناء، ثم انتقال مفاجئ إلى نظام مغاير – لا يمكن قراءته إلا بوصفه مؤشرًا صريحًا على غياب سياسة جمركية مستقرة، واستبدالها بإدارة يومية للأزمات.
لقد نبهنا سابقًا، وبشكل واضح، إلى أن الترسيم الجمركي وفق حجم الحاوية لم يكن سياسة إيرادية سليمة، بل كان في حقيقته تهريبًا بغطاء قانوني، لأنه ساوى بين بضائع مختلفة جذريًا من حيث القيمة والأثر الاقتصادي، وأدى إلى نزيف مستمر في الإيرادات العامة.
سابعا: أثر الترسيم وفقا لحجم الحاوية بدلا من محتواها
أدى اعتماد الرسوم المقطوعة والترسيم بالحاوية إلى ظهور مشكلات كبيرة في النظام الجمركي، إذ أصبحت الرسوم تُفرض بصورة غير دقيقة بعيداً عن القيمة الحقيقية للبضائع ، وقد تسبب هذا الأسلوب بإضعاف دقة التقييم الجمركي وفتح المجال أمام التهريب المقنن، فضلاً عن تآكل جزء مهم من الإيرادات الفعلية للدولة.
ورغم أن هذا النظام وفر نوعاً من السرعة والإجراءات المبسطة، إلا أنه خلق “عدالة شكلية” أضرت بالعدالة الحقيقية في الجباية والإيرادات.
ثامنا: التحول إلى التعرفة السلعية قرار 957 لسنة 2025
يمثل التحول إلى نظام التعرفة السلعية خطوة مهمة باتجاه بناء نظام جمركي أكثر دقة واحترافية، إلا أن تطبيق القرار بصورة مفاجئة ومن دون تدرج كافٍ أدى إلى نتائج سلبية على السوق المحلية، فقد تسبب غياب التهيئة المسبقة والتوعية والتنسيق مع القطاع التجاري بحالة من الاضطراب وارتفاع الأسعار وبطء إجراءات التخليص الجمركي، وتؤكد هذه التجربة أن نجاح الإصلاحات الاقتصادية لا يعتمد فقط على صحة القرار، بل على طريقة وتوقيت وآليات التنفيذ.
تاسعاً: نظام الأسيكودا ASYCUDA
يمثل نظام الأسيكودا أحد أهم مشاريع الأتمتة الجمركية الحديثة، إذ يسهم في تقليل التدخل البشري ورفع كفاءة الإجراءات وتحسين سرعة الإنجاز، لكن التجربة العملية أثبتت أن الرقمنة وحدها لا تكفي لمعالجة المشكلات الهيكلية، خصوصاً في ظل استمرار الفساد الميداني وضعف الرقابة والتلاعب في التصنيف الجمركي، فالتحول الرقمي من دون إصلاح مؤسسي حقيقي قد يؤدي إلى “أتمتة الخلل” بدلاً من القضاء عليه
عاشراً: التحدي الأمني
لا تقتصر مشكلات المنافذ الحدودية على الجوانب الإدارية والمالية فقط، بل تمتد إلى تحديات أمنية معقدة، أبرزها وجود معابر غير رسمية وشبكات تهريب منظمة ، كما تستغل بعض الجهات المناسبات الدينية وحركة الزائرين لتوسيع عمليات التهريب، في ظل ضعف السيطرة على بعض المناطق الحدودية، وهذا يعني أن التهديد المرتبط بالمنافذ الحدودية هو تهديد مزدوج يجمع بين البعدين الاقتصادي والأمني في آن واحد.
الحادي عشر: التحدي الرقابي
تعاني المنظومة الرقابية في المنافذ الحدودية من نقص واضح في أجهزة الفحص الحديثة وأجهزة الكشف والـ K9، فضلاً عن ضعف السيطرات الداخلية وتداخل أدوار الأجهزة الرقابية المختلفة ، كما أن غياب التكامل بين الجهات المعنية يؤدي إلى ضعف فعالية الرقابة وصعوبة ضبط المخالفات بصورة دقيقة، لذلك أصبحت الحاجة ملحة إلى إعادة تنظيم الأدوار وتعزيز التكامل بين المؤسسات الرقابية والأمنية.
الثاني عشر: مسارات الإصلاح – الإطار العام
إن إصلاح واقع المنافذ الحدودية يتطلب تبني مشروع إصلاحي شامل يقوم على معالجة جذور الأزمة وليس الاكتفاء بالإجراءات الجزئية ، ويبدأ ذلك من توحيد السياسة والاجراءات الجمركية وتفعيل النصوص الدستورية المنظمة للصلاحيات، إضافة إلى تقليص الإعفاءات غير الضرورية وتعزيز الرقابة الذكية وإعادة النظر في الهيكل الوظيفي للمنافذ، كما تبرز الحاجة إلى إنشاء جهة عليا للسياسة الجمركية تتولى رسم السياسات والإشراف على تنفيذها بصورة موحدة ومستقرة.
الثالث عشر: مسارات الإصلاح – الجانب التنفيذي
على المستوى التنفيذي، يمكن تقسيم الإصلاح إلى مراحل زمنية متدرجة.
فخلال الأشهر الأولى ينبغي التركيز على ضبط الإعفاءات وتوحيد التعليمات الجمركية وتشكيل لجنة عليا للسياسة الجمركية.
أما خلال المرحلة الثانية، فيجب استكمال نشر أجهزة الفحص الحديثة وتوسيع الأتمتة وإعادة توزيع الكوادر البشرية وفق معايير الكفاءة.
وفي المرحلة الأخيرة، ينبغي العمل على توحيد الإدارة الجمركية وبناء نظام وطني متكامل لتقييم الأداء بشكل تراكمي ومستدام.
الرابع عشر: الخلاصة التنفيذية
تكشف المعطيات الحالية أن الأزمة الأساسية في المنافذ الحدودية العراقية ليست أزمة تشريعات بقدر ما هي أزمة حوكمة وإدارة وتطبيق ، فالإيرادات الجمركية ما تزال تتعرض لهدر كبير بسبب ضعف الرقابة وتعدد مراكز القرار وعدم استقرار السياسات، كما أن الرقمنة، رغم أهميتها، لن تحقق أهدافها ما لم تترافق مع إصلاح مؤسسي شامل يعيد بناء منظومة الإدارة الجمركية على أسس واضحة ومستقرة.
إن الإصلاح الحقيقي للمنافذ الحدودية ممكن خلال فترة تتراوح بين 12 إلى 24 شهراً إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية المركزية الواضحة، بما يضمن تحويل المنافذ من بؤر للهدر والفساد إلى أدوات حقيقية لتعزيز الاقتصاد الوطني وترسيخ سيادة الدولة.
خاتمة
إن مستقبل الاقتصاد العراقي يرتبط بصورة وثيقة بقدرة الدولة على إدارة منافذها الحدودية بكفاءة وشفافية وسيادة. فالمنافذ ليست مجرد نقاط عبور للبضائع، بل هي مرآة لهيبة الدولة ومؤشر على فاعلية مؤسساتها.
ومن هنا فإن بناء منظومة جمركية حديثة وموحدة ومستقرة لم يعد خياراً إدارياً فحسب، بل ضرورة وطنية لحماية الاقتصاد وتعزيز الأمن وتحقيق التنمية المستدامة.
بقلم الدكتور كاظم العقابي
رئيس هيأة المنافذ الحدودية السابق
