“الوجه البديل”.. رصاصات غيرت ملامح العقيد وأنقذت حكومة اليابان من الفراغ

“الوجه البديل”.. رصاصات غيرت ملامح العقيد وأنقذت حكومة اليابان من الفراغ

في الأيام الأخيرة من شتاء عام 1936، بين السادس والعشرين والتاسع والعشرين من فبراير، اهتزت العاصمة اليابانية طوكيو على وقع محاولة انقلاب دامية.

لم تكن هذه الحركة التي قادها ضباط عسكريون شباب ينتمون إلى التيار القومي المتطرف في الجيش الإمبراطوري الياباني مجرد تمرد عابر، بل كانت انعكاسا صارخا للتوترات العميقة التي كانت تعصف بالمجتمع الياباني آنذاك.

تمكن المتمردون من اغتيال عدد من كبار المسؤولين الحكوميين واحتلال قلب العاصمة لساعات، تاركين جراحا غائرة في جسد النظام السياسي الياباني قبل أن يتم إخماد انتفاضتهم.

جاء تنظيم هذه المحاولة الانقلابية على أيدي ضباط شبان جمعوا بين الوطنية المتطرفة والتأثر بأفكار الاشتراكية الوطنية، وكان الفيلسوف والمفكر إيكي كيتا بمثابة العقل المدبر والمُنظِّر الأيديولوجي لهذه الحركة. وضع كيتا خطة أطلق عليها اسم “خطة إعادة الإعمار”، شكلت وثيقة فكرية حفزت قوات الجيش على الخروج عن طاعة القيادة القائمة. كان هؤلاء الضباط مقتنعين اقتناعا راسخا بأن تفشي الفساد في أروقة السلطة وتفاقم الفقر المدقع في الأرياف اليابانية لن يُعالجا إلا عبر عملية تطهير جذرية لكبار السياسيين، الذين حملوهم مسؤولية تردي الأوضاع في البلاد خلال فترة الكساد الكبير الذي خيم بظلاله على العالم بأسره.

تعود جذور هذه المحاولة الانقلابية إلى مناخ من الاحتقان الطبقي المتصاعد وحركات مناهضة للحرب كانت تنمو في الخفاء. في خضم هذا الوضع السياسي الداخلي المعقد والمتشابك، كانت الدوائر الحاكمة في اليابان تتجه نحو إقامة دكتاتورية عسكرية فاشية صريحة، لكن الطريق إلى ذلك الهدف لم يكن سالكا بسهولة بسبب الصراعات المحتدمة بين الفصائل العسكرية نفسها. كان هناك فصيل “كودوها” أو ما يعرف بجماعة المسار الإمبراطوري، الذي آمن بضرورة الاستيلاء على السلطة عن طريق التآمر والإطاحة العنيفة بالحكومة لإقامة “اشتراكية دولة يكون الإمبراطور محورها”. بالمقابل، برز فصيل “توسيها” أو جماعة السيطرة، الذي فضل نهجا أكثر تدرجا يركز على تعزيز جهاز الدولة القائم وزرع المتعاطفين مع الفكر الفاشي في مفاصل الهيئات الحكومية والبيروقراطية، بدلا من المغامرة بانقلاب عسكري مباشر.

كانت الشرارة التي عجلت بتحرك المتآمرين هي صدور أمر من هيئة الأركان العامة للجيش الإمبراطوري بإعادة نشر الفرقة العسكرية الأولى المتمركزة في طوكيو ونقلها إلى منشوريا. شعر الضباط المتمردون بأن هذا القرار سيحرمهم من القاعدة العسكرية التي يعتمدون عليها في العاصمة، فسارعوا إلى تسريع استعداداتهم لتنفيذ الانقلاب قبل فوات الأوان. استجاب لنداء التمرد ما بين 1483 و1500 جندي، انضموا إلى صفوف المتمردين، وكانوا في معظمهم من الفوجين الأول والثالث للمشاة، وفوج المدفعية السابع التابع للفرقة الأولى، بالإضافة إلى فوج المشاة الثالث التابع للحرس الإمبراطوري، ما شكل قوة عسكرية ضاربة تمكنت بسرعة من بسط سيطرتها على منطقة واسعة من وسط طوكيو شملت مباني البرلمان ووزارتي الداخلية والدفاع.

مع بزوغ فجر السادس والعشرين من فبراير، في الساعة الخامسة صباحا، تحرك أكثر من ألف وخمسمائة جندي بقيادة الضباط المتمردين ليحكموا قبضتهم على قلب العاصمة اليابانية. كانت الشوارع والمباني الحكومية خاوية في ذلك الوقت المبكر، ما جعل عملية السيطرة عليها تمر دون إراقة دماء. لكن المشهد اختلف تماما أمام مقر إقامة رئيس الوزراء كيسوكي أوكادا، حيث اشتبكت مجموعة من المهاجمين مع طوق شرطة كان يحرس المقر. في تبادل قصير لإطلاق النار، سقط أربعة من رجال الشرطة قتلى، إلا أن تلك الدقائق الثمينة منحت رئيس الوزراء فرصة نادرة للاختباء داخل المنزل. عندما اقتحم الجنود المبنى، أخطأوا هدفهم وأطلقوا النار على سكرتير رئيس الوزراء وصهره العقيد ماتسو دينزو، معتقدين خطأ أنه الرجل المطلوب. أصابت الرصاصات وجه العقيد وشوهت ملامحه بشكل جعل التعرف عليه مستحيلا، فغادر المتآمرون المنزل واثقين من نجاح مهمتهم، بينما كان أوكادا نفسه مختبئا في غرفة داخلية بعيدة، يقضي ثلاثة أيام كاملة في صمت وترقب، ولم يغادر مخبأه إلا في التاسع والعشرين من فبراير عندما تم قمع حركة التمرد بالكامل. كانت المفاجأة صادمة عندما تبين أن رئيس الوزراء لا يزال على قيد الحياة، بعد أن كانت وسائل الإعلام قد أعلنت وفاته رسميا، ما وضع الأوساط السياسية في موقف محرج للغاية، ودفع أوكادا إلى تقديم استقالته بعد ذلك بأسابيع قليلة في مطلع مارس.

انتهت المحاولة الانقلابية باستسلام المتمردين المحبطين للقوات الحكومية في التاسع والعشرين من فبراير، بعد أن أدركوا استحالة استمرار مقاومتهم في مواجهة حصارهم من قبل الجيش النظامي وإصدار الأوامر الإمبراطورية بقمعهم. كان الإمبراطور هيروهيتو، رغم إعلان قادة الانقلاب ولاءهم الكامل للعرش ودعمهم المطلق للسلطة الإمبراطورية، قد أدان تحركاتهم بشدة ووصفها بأنها غير قانونية وخارجة عن النظام، ما سحب البساط الأيديولوجي من تحت أقدامهم.

في أعقاب فشل الانقلاب، انتحر بعض الضباط القادة، بينما تم إعدام تسعة عشر من قادة الحركة رميا بالرصاص، وحكم على سبعة عشر آخرين من الضباط بالإضافة إلى مدنيين اثنين، من بينهم المنظر الأيديولوجي إيكي كيتا، بالإعدام شنقا في ساحة يويوغي بطوكيو أمام الجمهور. كما صدرت أحكام بالسجن لفترات متفاوتة بحق ستين ضابطا شابا آخرين شاركوا في الأحداث.

لم تكن آثار هذه المحاولة الانقلابية الفاشلة مقتصرة على الخسائر البشرية والأحكام القضائية فقط، بل امتدت لتشمل تعليقا مؤقتا وشللا شبه كامل للنشاط الاقتصادي والسياسي في البلاد. منذ السادس والعشرين من فبراير، توقفت جميع عمليات تداول الأسهم والسلع في البورصة، وتجمدت معاملات التسوية، وأغلق مركز مقاصة طوكيو أبوابه. كما تعطل عمل العديد من المؤسسات الحكومية الحيوية، حيث لم تتمكن المقرات الرسمية لرئاسة الوزراء ووزارة الحرب وهيئة الأركان العامة ومقر الشرطة من مزاولة مهامها بشكل طبيعي في المناطق التي احتلها المتمردون، ما أحدث فراغا إداريا وأمنيا خطيرا.

رغم فشل الانقلاب في تحقيق أهدافه المباشرة، إلا أنه حقق بشكل غير مباشر ما كان يسعى إليه الضباط المتمردون من تعزيز نفوذ الجيش في الحياة السياسية اليابانية. بعد قمع التمرد، تم تشكيل مجلس وزراء جديد أقر سياسة جديدة تنص على تعيين عسكريين فقط في منصبي وزيري الحرب والبحرية، ما منح المؤسسة العسكرية حق النقد العملي على أي حكومة مدنية. كما أقر المجلس الوزاري الجديد قوانين صارمة مثل قانون “مراقبة المراسلات الخطرة” وقانون “مراقبة الأفكار الخطرة”، والتي شكلت أدوات قمعية محكمة للسيطرة على أي صوت معارض.

على الصعيد الخارجي، أحدثت المحاولة الانقلابية تحولا جذريا في السياسة الخارجية اليابانية، تجسد في توقيع معاهدة مناهضة الشيوعية مع ألمانيا النازية في الخامس والعشرين من نوفمبر 1936، واستمرار تصعيد الاستفزازات العسكرية عبر سلسلة من “الحوادث” المصطنعة على الحدود مع الاتحاد السوفيتي وجمهورية منغوليا الشعبية، ما مهد الطريق لانخراط اليابان في مغامراتها العسكرية الأوسع في السنوات التالية.

المصدر: RT

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *