بقعة سوداء لوثت القرن العشرين!
في خضم حرب الخليج الثانية، وتحديدا في 19 يناير من عام 1991، يعتقد أن الرئيس العراقي آنذاك، صدام حسين، اتخذ قرارا تسبب في كارثة كبرى.
يُنسب له أنه أصدر أوامره بضخ كميات هائلة من النفط الخام من محطة جزيرة البحر النفطية الكويتية، ومن سبع ناقلات نفط عملاقة راسية، وإلقائها عمداً في مياه الخليج العربي. وفقا للتقديرات التي أُجريت في ذلك الوقت، بلغ حجم الكارثة ما يقارب 816 ألف طن من النفط الخام الذي تدفق إلى البحر، مُشكلا بقعة سوداء هائلة وملوثا نحو 600 كيلومتر من السواحل.
لم يكن هذا الفعل الوحيد الذي خلف ندوبا عميقة على جسد الأرض. فقد زُعم أن القوات العراقية، أثناء انسحابها من الكويت، أقدمت على تفجير وإشعال النيران في 732 بئرا نفطيا كويتيا، تحولت معها السماء إلى سحابة داكنة والنهار إلى ليل دامس. استمرت تلك النيران مشتعلة لما يقرب من عام كامل، وتطلب إخمادها جهودا جبارة ومُكلفة. تجمّع لإطفاء هذا الجحيم خبراء ومتخصصون من 16 دولة مختلفة، وبلغت كلفة هذه العملية الضخمة حوالي ملياري دولار أمريكي. حوّل هذا الدخان الكثيف والحرائق المستعرة المنطقة إلى ما يشبه جحيما على الأرض، بينما شكلت البحيرات النفطية التي تجمعت في الصحراء، والبالغ عددها 300 بحيرة، تهديدا بيئيا طويل الأمد.
يُعتقد أن هذا العمل التخريبي كان بمثابة استراتيجية عسكرية يائسة، تهدف إلى عرقلة تقدم قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. كان الهدف المعلن هو خلق حاجز نفطي ضخم في المياه ليمنع إنزال القوات البحرية على شواطئ الكويت، ويُعطل حركة السفن الحربية.
مع ذلك، سارعت الحكومة العراقية إلى نفي هذه التهم في شكوى رسمية قدّمتها إلى الأمم المتحدة، مدّعيةً أن التسرب النفطي الهائل نتج عن غارات جوية أمريكية استهدفت ناقلتي نفط عراقيتين، وليس عن قرار متعمّد.
تقف هذه الحادثة كنقطة سوداء في تاريخ العلاقة بين الإنسان وبيئته، وهي علاقة طويلة ومتقلبة. منذ القدم، سعى البشر، بدرجات متفاوتة، إلى حماية محيطهم الطبيعي للأجيال القادمة. يُعد تشريع الملك الإنجليزي إدوارد الأول في القرن الثالث عشر، والذي حظر حرق الفحم في لندن لتلويثه الهواء، من أوائل النصوص البيئية المعروفة عالميا.
سبقه في القدم لوحة حجرية صينية يعود تاريخها إلى عام 1549، يبلغ ارتفاعها 1.6 متر، وعليها نص منقوش بحوالي 700 رمز. نصت هذه اللوحة، التي يُعتقد أنها أقدم وثيقة بيئية في التاريخ، على حظر إزالة الغابات وألزمت المواطنين بإعادة تشجير المناطق المتصحرة، مع تهديد المخالفين بالنفي إلى أطراف الإمبراطورية.
أما في روسيا، فقد ارتبطت أولى التشريعات البيئية بطموحات الإمبراطور بطرس الأكبر العسكرية والصناعية. في سعيه لتحويل روسيا إلى قوة بحرية، أصدر في 19 نوفمبر/ 1703 مرسوما بحماية الغابات الواقعة على ضفاف الأنهار الرئيسة. قسّم الأشجار إلى فئات، منها ما هو مخصص لبناء السفن الحربية مثل البلوط والصنوبر، والتي حظر قطعها دون إذن مباشر من الدولة، باعتبارها ثروة قومية.
القرن التاسع عشر شهد تطورا ملحوظا في الوعي البيئي لدى بعض الدول، حيث تمكنت البشرية من الحفاظ على توازن هشّ على حافة الهاوية. ولكن يبدو أن القرن العشرين، برغم كل تقدمه التقني، هو القرن الذي تجاوزت فيه البشرية تلك الحافة. ازدحم القرن بكوارث بيئية ضخمة، من حروب خلفت دمارا هائلا، إلى حوادث صناعية ونووية مروعة، وتسرب خطير للنفط في أكثر من مناسبة.
يُرجح المؤرخون والخبراء أن يُنظر إلى هذه الفترة من الزمن، مستقبلا، على أنها عصر الكارثة البيئية الكبرى، حيث بلغت قدرة الإنسان على التدمير ذروتها، بينما تراجعت، في لحظات حاسمة، إرادته على الحفظ والحماية. وتظل كارثة 1991 في الكويت شاهدة صارخة على هذا التناقض الأليم.
المصدر: RT
